91 · ص91
المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف السين وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الساق:
باب الساق:
قال ابن الجوزي:
«الأصل في الساقِ: العضو المعروف وكل نبات له غصن فغصنه ساقه ١.
وذكر أهل التفسير أن الساق في القرآن على وجهين:
أحدهما: العضو المعروف. ومنه قوله تعالى في ص: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [صّ: ٣٣]، والسوق جمع ساق.
والثاني: الشدة. ومنه قوله تعالى في نون: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: ٤٢]، وفي سورة القيامة: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}
{القيامة: ٢٩]» ٢.
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: العضو المعروف.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [صّ: ٣٣] واتفق السلف والمفسرون على أن المراد بالسُّوق في الآية الساق الذي هو العضو المعروف؛ وذلك بعد اختلافهم بالمراد في الآية بين قطعه لأعناق الخيل وعراقيبها، وبين مسحه لها بيده حباً وإكراماً؛ ومنهم: ابن عباس، وقتادة، والحسن، والسُّدي ٣.
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير ٤.
١ وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ٤٥٦. مقاييس اللغة ٤٧٦. المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٥٢٣.
٢ نزهة الأعين النواظر ص ٣٤٠.
٣ جامع البيان ٢٣/ ١٩١.
٤ معاني القرآن للفراء ٢/ ٤٠٥. جامع البيان ٢٣/ ١٩١. معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٣٣١. معاني القرآن للنحاس ٦/ ١١٢. معالم التنزيل ص ١١١٣. الكشاف ٤/ ٩٤. المحرر الوجيز ٤/ ٥٠٤. الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ١٢٨. البحر المحيط
٩/ ١٥٥. تفسير القرآن العظيم ٥/ ٣٨١.
92 · ص92
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «والساق للإنسان وغيره، والجمع سُوق، إنّما سمّيت بذلك لأنَّ الماشي ينْساق عليها» ١.
الوجه الثاني: الشدة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: ٤٢].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعكرمة والضحاك ٢.
ومن المفسرين: الفرَّاء، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان ٣.
وفي الآية قول آخر: وهو أن الساق صفة لله تعالى.
ويشهد له الحديث الصحيح؛ عن أبي سعيد الخدري: قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسُمعة فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً» ٤.
وقال به من السلف: ابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، والربيع بن أنس ٥.
ومن المعلوم أن مأخذ السلف للقول الأول هو المعنى المشهور للفظ في لغة العرب، وعلى رأيهم هذا فهم لايرون أن الآية دالة على الصفة، وإن كانوا يثبتون الصفة من السنة، وهذا الموضع هو الأوحد الذي اختلف فيه السلف في صفة من الصفات.
١ مقاييس اللغة ٤٧٦.
٢ جامع البيان ٢٩/ ٤٦.
٣ معاني القرآن للفراء ٣/ ١٧٧. معاني القرآن وإعرابه ٥/ ٢٠. معالم التنزيل ص ١٣٣٩. الكشاف ٤/ ٥٩٨. المحرر الوجيز ٥/ ٣٥٢. الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٦٢. البحر المحيط ١٠/ ٢٤٧.
٤ أخرجه البخاري (كتاب التفسير، سورة القلم باب ٢ ٤/ ١٨٧١ برقم ٤٦٣٥).
٥ جامع البيان ٢٩/ ٤٦. وأبو سعيد: سعد بن مالك بن سنان بن عبد بن ثعلبة بن عبيد بن خُدرة الخدري، أبو سعيد، بايع تحت الشجرة وشهد ما بعد أحد، وكان من علماء الصحابة له ألف ومائة حديث، مات سنة ٧٤ هـ
(الاستيعاب ٢/ ٦٠٢. الإصابة ٣/ ٧٨).