93 · ص93
وقد حرر هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية حيث أشار إلى أن هذا هو الموضع الأوحد الذي اختلف في السلف، وفرق بينهم وبين فرق الضلال فقال: «وأما الذي أقوله الآن وأكتبه وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي وإنما أقوله فى كثير من المجالس، أن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأوّل شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيئاً كثيراً، وتمام هذا أنى لم أجدهم تنازعوا إلا فى مثل قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: ٤٢]. فروى عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة. وعن أبى سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات، للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال يوم يكشف عن ساق نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن ساقه فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف، ولكن كثير من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولا له ثم يريدون صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلا» ١.
وحيث إن لفظ (الساق) في الآية غير مضاف، فالدليل الآخر بين أيدينا وهو في الصحيحين، وخير ما فُسِّر به القرآن بعد القرآنِ السنةُ الثابتة عن رسول الله - عليه السلام -.
ويذكر ابن القيم نحو ما ذكره ابن تيمية ويرجح أن المراد بالآية الصفة، ويحرر هذا المعنى من حيث اللغة تحريراً بديعاً فيقول: «والذين أثبتوا أن ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر
١ الفتاوى ٦/ ٣٩٤. وابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن القاسم بن تيمية، الحرانى الدمشقى الحنبلى تقى الدين أبو العباس شيخ الإسلام إمام الأئمة المجتهد المطلق ولد سنة ٦٦١ هـ قال الحافظ المزى: ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه، له مؤلفات ورسائل كثيرة منها (الجواب الصحيح) مات سنة ٧٢٨ هـ (الدرر الكامنة ١/ ١٦٨. البدر الطالع ١/ ٦٣).
94 · ص94
القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، .. ومن حمل الآية على ذلك قال في قوله تعالى:
{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: ٤٢] مطابق لقوله: فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا، وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه، قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها .. » ١.
وقال الشوكاني في تقرير القول بالصفة وأنه ليس مع تفسيره - عليه السلام - تفسير: «وإذا جرى نهر الله بطل نهر معقل ... وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله .. وذلك لايستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً، فليس كمثله شيء.
دعوا كل قولٍ عند قول محمدٍ ... فَمَا آمِنٌ في دينه كمُخَاطر» ٢
هذا وقد قال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، وابن كثير ٣.
وبهذا يتبين أن هذه الآية غير داخلة في هذا الوجه؛ بل يفرد بها وجه ثالث خاص بصفة الله تعالى.
الآية الثانية: قوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} [القيامة: ٢٩].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والربيع، وابن زيد ٤.
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية،
١ الصواعق المرسلة ١/ ٢٥٢. وابن القيم: محمد بن أبى بكر بن أيوب بن سعد بن جرير الزرعي الدمشقي شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلى لعلامة الكبير المجتهد المطلق المصنف المشهور ولد سنة ٦٩١ هـ وسمع من ابن تيمية، ودرس بالصدرية وأمَّ بالجوزية وبرع في جميع العلوم وله من التصانيف كثير ومنها (بدائع الفوائد) و (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) مات سنة ٧٥١ هـ (الدرر الكامنة ٥/ ١٣٧. البدر الطالع ٢/ ١٤٣).
٢ فتح القدير ص ١٧٨٢ بتصرف. والشوكاني: محمد بن على بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن صلاح بن إبراهيم بن محمد العفيف بن محمد بن رزق ينتهي إلى خَيْشَنة بن زبَّاد ابن قاسم بن مرهبة، ولد سنة ١١٧٣ هـ وله مصنفات منها (فتح القدير) مات سنة ١٢٥٠ هـ وله ٧٧ سنة (البدر الطالع ٢/ ١٤٣. الإمام الشوكاني مفسرا؛ للغماري).
٣ معاني القرآن وإعرابه ٥/ ٢٠. معالم التنزيل ص ١٣٣٩. تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٨٥.
٤ جامع البيان ٢٩/ ٢٣٨ - ٢٤٢.