3206 · ص34 · ج1
ومرَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِخَيمَتَي أمِّ مَعبد -عاتكةَ- ١ ومنزلهُا بعدَ قُدَيد ٢، فرأى شاةً خلَّفها الجَهْدُ عن الغنم، فسألها: أَبِها لبنٌ؟ قالت: هي أجهدُ من ذلك، فاستأذنها في حَلْبِها، فقالت: نعم بأبي وأمي، إنْ رأيتَ بها حَلَبًا ٣، فمسَحَ بيدِه الطَّاهرةِ ضَرْعَها، وسمَّى اللّه تعالى، وقال: "اللَّهُمَّ بارك لها في شَاتِهَا"، فتفاجّت ٤ عليه ودَرَّت ٥ واجترّت ٦، فدعا بإناء لها يُربض ٧ الرَّهط، فحلب فيه، ثمَّ سقاها حتى رويتْ، وسقى أصحابَه كذلك، ثمَّ شرب آخرَهم، وقال ٨: "سَاقِي القَومِ آخِرُهُم "، ثمَّ حلَب في الإناء ثانيًا، حتى ملأه وتركه عندها وارتحلوا.
وأصبح صوتٌ بمكَّةَ عاليًا بينَ السَّماءِ والأرض يسمعونه ولا يرون قائله:
جزى اللّهُ ربُّ النَّاسِ خيرَ جزائِه … رفيقينِ قَالا ٩ خَيمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
١ عاتكة بنت خالد بن منقذ الخزاعية. رضي اللّه عنها. "الإصابة" ٤/ ٤٩٧.
٢ قُديد: بضمِّ أوَّله على لفظ التصغير، وادٍ كبيرٌ من أودية الحجاز يقع على بعد ١٣٠ كيلًا شمال مكة. "معجم ما استعجم" ٣/ ١٠٥٤، و "معجم معالم الحجاز" ٧/ ٩٧.
٣ يقال: حَلَبت النَّاقة والشَّاة، أحلبها حَلَبًا، بفتح اللَّام، والمعنى: إن وجدتها تحلب.
"النهاية" ١/ ٤٢١.
٤ فتفاجَّت، أي: فرَجت رجليها للحلب. "النهاية" ٣/ ٤١٢.
٥ درّت، أي: امتلأ ضرعها لبنًا. "غريب الحديث" للهروي ٣/ ١٧٩، و "النهاية" ٢/ ١١٢.
٦ اجترّت، من الجِرَّة، وهي: ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه، ثم يبلعه. "النهاية" ١/ ٢٥٩.
٧ يربض، أي: يرويهم. "النهاية" ٢/ ١٨٤.
٨ أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل الصلاة الفائتة ١/ ٤٧٤ (٣١١).
٩ أي: نزلا وقت القيلولة، وهي النَّوم في وقت القائلة، وهي قبيل الظهر إلى أن ينتصف النهار. "غريب الحديث" للخطابي ١/ ٥٣٢.