← المكتبة ▭ صفحة واحدة
شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم
ابن تيمية الفقه الحنبلي 728 هـ
A− A+
243 · ص43 · ج3
وهذا الخروج إما أن يكون خروجه من المدينة إلى مكة، أو خروجه من مكة إلى حُنين؛ [ق ٩] فإنه لم يزل صائمًا في خروجه إلى أن بلغ الكَديد، كما في حديث ابن عباس المشهور ١، كما تقدم في الرواية الأخرى، وأما خروجه إلى حُنين ... ٢. ثم قد رُوي عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا غزوةَ الفتح في رمضان، وقال: «صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى [إذا] بلغ الكَديد ــ الماء الذي بين قُدَيد وعُسْفان ــ أفطر حتى انسلخَ الشهرُ». رواه البخاري ٣. وهذا يقتضي أنه لم يَشْرع في صومٍ بعد يوم الكَديد، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما غزا في رمضان غزوةَ بدرٍ وغزوةَ الفتح خاصة. وعن سيَّار بن مِخْراق: أنه سأل ابنَ عمر عن صيام المسافر؟ فقال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربعَ عشرةَ مضت من رمضان، فأناخ راحلتَه، ووضع إحدى رجليه في الغَرْز والأخرى في الأرض، فدعا بلَبَنٍ من لبنها، فشرب». رواه حرب ٤.
١ أخرجه البخاري (٤٢٧٦ وغير موضع)، ومسلم (١١١٣). ٢ بياض في النسختين. ٣ (٤٢٧٥) وما بين المعكوفين منه. ٤ لعله في «مسائله»، وليس في القطع المطبوعة منها. والحديث أخرجه الطبري في «تهذيب الآثار- مسند ابن عباس» (١٤٢)، والطبراني في «الأوسط» (٧٥١٠) وقال: «لم يرو هذا الحديث عن سيار بن مخراق إلا سعد بن أوس، ولا عن سعد إلا محمد بن دينار، تفرّد به سعيد بن أبي الربيع». وقال الهيثمي في «المجمع»: (٣/ ١٦٣): «وفيه من لم أعرفه».
244 · ص43 · ج4
الفصل الثاني أنه لا يجب عليه ــ فيما ذكره أصحابنا ١ ــ حتى يملك الزاد والراحلة أو ثمنَهما ٢، فأما إن كان قادرًا على تحصيله بصنعة، أو قبول هبة، أو وصية، أو مسألة، أو أخذٍ من صدقة أو بيت المال= لم يجب عليه ذلك، سواء قدَرَ على ذلك في مِصْرِه، أو في طريق مكة؛ لِما تقدم من قوله: «يوجب الحجَّ الزادُ والراحلة» يعني وجودهما، وقوله: «مَن مَلَك زادًا وراحلة تُبلِّغه إلى بيت الله»، فعلق الوعيد بِمِلْك الزاد والراحلة. ولأن الزاد والراحلة شرط الوجوب، وما كان شرطًا للوجوب لم يجب على المكلّف تحصيلُه، لأن الوجوب منتفٍ عند عدمه. ولأن كل عبادة اعتُبِر فيها المال فإن المعتبر ملكه، لا القدرةُ على ملكه. أصله العتق، والهدي في الكفارات، وثمن الماء والسترة في الصلاة. فصل وينبني على ذلك أنه إذا بذلَ له ابنه أو غيره مالًا يحج به، أو بذل له ابنه أو غيره طاعته في الحج عنه، وكان المبذول له معْضوبًا ٣ أو غير معضوب= لم يلزمه عند أكثر أصحابنا ٤، مثل ابن حامد والقاضي وأصحابه، وهو مقتضى كلام أحمد، فإنه علّق الوجوب بوجود الزاد والراحلة.
١ انظر «المغني» (٥/ ٨). ٢ س: «ثمنها». ٣ المعضوب: الشخص الذي لازمه المرض زمنًا طويلًا وقطعه عن الحركة. ٤ انظر «التعليقة» (١/ ٦٢) و «المغني» (٥/ ٩).