3003 · ص633 · ج4
وأما الرواية الأخرى فلم تُرْوَ ١ إلا عن ابن عباس، وعن أصحابه الذين أخذوها عنه، قال ابن عبد البر ٢: ما أعلم أحدًا من الصحابة رُوي عنه أنه عليه السلام نكح ميمونة وهو محرم إلا ابن عباس.
وإذا كان أحد الخبرين أكثرَ نقَلَةً ورُواةً قُدِّم على مخالفه، فإنَّ تطرُّق الوهم والخطأ إلى الواحد أولى من تطرقه إلى العدد، لا سيما إذا كان العدد أقربَ إلى الضبط وأجدرَ بمعرفة باطن الحال.
السادس: أن في رواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوَّجها وهما محرمان ٣، وأن عقد النكاح كان بسرِفَ، ولا ريب أن هذا غلط، فإن عامة أهل السير ذكروا ٤ أن ميمونة كانت قد بانت من زوجها بمكة، ولم تكن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمرته، فإنه لم يَقدَمْ بها من المدينة، وإذا كانت مقيمة بمكة فكيف تكون محرمةً معه بسرِفَ؟ أم كيف ــ وإنما بعث إليها جعفر بن أبي طالب ــ خطَبَها؟ وهو يُوهّن الحديث ويعلّله.
السابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوَّجها في عمرة القضية في خروجه، ورجع بها معه من مكة، وإنما كان يُحرم من ذي الحليفة، فيُشبِه أن تكون الشبهة دخلت على من اعتقد أنه تزوَّجها محرمًا من هذه الجهة، فإن ظاهر الحال
١ ق: «ترِد». وكلاهما بمعنى.
٢ في «التمهيد» (٣/ ١٥٣) و «الاستذكار» (١١/ ٢٥٩). وتعقَّبه الحافظ في «الفتح» (٩/ ١٦٦).
٣ قوله: «وهما محرمان» لم يثبت في رواية عكرمة، وإنما جاء في بعض الطرق عنه، وأكثر الثقات يروونه عنه بلفظ: «وهو محرم». انظر ما سبق (ص ٦٢٧).
٤ انظر «الإصابة» (١٤/ ٢٢١).
3004 · ص634 · ج2
أذكرني هذا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ١. وكذلك صلاة عكرمة خلف شيخٍ كبَّر ٢ ثنتين وعشرين تكبيرة ٣. وعامة هذه الأحاديث إنما معناها الجهر, وهو الذي كان قد تركه بعض الأمراء, كما سيأتي ــ إن شاء الله ــ بيانه.
وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يؤمُّ الناس بالتكبير: يرفع ٤ صوته بالتكبير ٥. وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: إنَّ لكلِّ شيء شعارًا, وإنَّ شعارَ الصلاة التكبير. رواه أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب «الصلاة» ٦. وشعار الشيء: ما يشعر به, وهذا إنما يكون فيما يظهر ويجهر به.
فأما المأموم، فالسنَّة في حقِّه أن يخفي التكبير وسائر أنواع الذكر إلا التأمين والبسملة، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ لأنه إنما يصلي لنفسه, فلا يحتاج إلى إسماع ٧ غيره, وأفضل الذكر: الخفي. بل يُكرَه له الجهر بذلك, كما يُكرَه له الجهر بالقراءة؛ لأنه يغلط غيره من المصلين, إلا أن يجهر بالكلمات أحيانًا, كما جهر المستفتح بقوله: «الله أكبر كبيرًا» ٨، وكما جهر العاطس بقوله: «ربنا ولك الحمد» الحديث ٩ , وسيأتي إن شاء الله
١ أخرجه البخاري (٧٨٤).
٢ نبَّه الناسخ على أن في أصله: «كبير».
٣ أخرجه البخاري (٧٨٨).
٤ في الأصل: «فرفع»، والمثبت من المطبوع.
٥ علقه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ١٨).
٦ «الصلاة» (٦٥)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٩٨).
٧ في الأصل والمطبوع: «سماع»، والمثبت من حاشية الناسخ.
٨ أخرجه مسلم (٦٠١) من حديث ابن عمر.
٩ أخرجه البخاري (٧٩٩) من حديث رفاعة بن رافع.