1237 · ص177 · ج3
وَأَمَّا ١ إذَا اسْتَيْقَظَ آخِرَ الْوَقْتِ، وإن ٢ اشْتَغَلَ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ مِن الْبِئْرِ خَرَجَ الْوَقْتُ، أَو إنْ ذَهَبَ إلَى الْحَمَّامِ لِلْغُسْلِ خَرَجَ الْوَقْتُ: فَهَذَا يَغْتَسِلُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَمَالكٌ -رحمه الله- يَقُولُ: بَل يُصَلِّي بِالتَّيّمُّمِ مُحَافَظَةً عَلَى الْوَقْتِ ٣.
وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: إذَا اسْتَيْقَظَ آخِرَ الْوَقْتِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مَأمُورٌ بِالصَّلَاةِ؛ فَالطَّهَارَةُ وَالْوَقْتُ فِي حَقِّهِ مِن حِينَ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن نَامَ عَن صَلَاةٍ أَو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا" ٤.
فَالْوَقْتُ الْمَأُمُورُ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فِي حَقِّ النَّائِمِ هُوَ إذَا اسْتَيْقَظَ لَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَفِي حَقِّ النَّاسِي إذَا ذَكَرَ. [٢١/ ٤٤٦ - ٤٤٧]
٢٥٠١ - إِنَّ الْأصُولَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَتَى دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْإِخْلَالِ بِوَقْتِ الْعِبَادَةِ وَالْإخْلَالِ ببَعْضِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا: كَانَ الْإِخْلَالُ بِذَلِكَ أَوْلَى؛ كَالصَّلَاةِ فَإنَّ الْمُصَلِّيَ لَو أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْوَقْتِ بِطَهَارَة وَسِتَارَةٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُجْتَنِبَ النَّجَاسَةِ وَلَمْ يُمْكنْهُ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ فَإنَّهُ يَفْعَلُهَا فِي الْوَقْتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُمْكِنِ وَلَا يَفْعَلُهَا قَبْلَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا يُؤَخِّرُ الْعِبَادَةَ عَنِ الْوَقْتِ بَل يَفْعَلُهَا فِيهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ لِلْمَعْذُورِ فِي الْجَمْعِ لِأَنَّ الْوَقْتَ وَقْتَانِ: وَقْتٌ مُخْتَصٌّ لِأهْلِ الرَّفَاهِيَةِ، وَوَقْتٌ مُشْتَرَكٌ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ صَلَّاهُمَا فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوعِ لَمْ يُفَوّتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَا قَدَّمَهَا عَلَى الْوَقْتِ الْمُجْزِئِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [٢٦/ ٢٣٢]
١ هذه المسألة تختلف عن الأولى.
٢ في الأصل: (أَو إن)، ولعل المثبتَ هو الصواب.
٣ وقد رجح الشيخ قول الجمهور في مواضع أخرى (٢١/ ٤٦٩، ٢٢/ ٣٦).
٤ مسلم (٦٨٤).
1238 · ص178 · ج3
٢٥٠٢ - الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ فَرْضٌ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالِاسْتِطَاعَةِ وَإِن كَانَت صَلَاةً نَاقِصَةً، حَتَّى الْخَائِفُ يُصَلّي صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْوَقْتِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَا يُفَوّتُهَا لِيُصَلِّيَ صَلَاةَ أَمْنٍ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، حَتَّى فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ يُصَلِّي وَيُقَاتِلُ وَلَا يُفَوِّتُ الصَّلَاةَ لِيُصَلِّيَ بِلَا قِتَالٍ.
فَالصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ فِي الْوَقْتِ وَإِن كَانَت نَاقِصَةً خَيْرٌ مِن تَفْوِيتِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَإِن كَانَت كَامِلَةً؛ بَل الصَّلَاةُ بَعْدَ تَفْوِيتِ الْوَقْتِ عَمْدًا لَا تُقْبَلُ مِن صَاحِبِهَا، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إثْمُ التَّفْوِيتِ الْمُحَرَّمِ، وَلَو قَضَاهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٢١/ ٤٥٥ - ٤٥٦]
٢٥٠٣ - لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةَ النَّهَارِ إلَى اللَّيْلَ، وَلَا يُؤَخِّرَ صَلَاةَ اللَّيْلِ إلَى النَّهَارِ لِشُغْلٍ مِنَ الْأَشْغَالِ، لَا لِحَصْدٍ وَلَا لِحَرْثٍ وَلَا لِصَنَاعَةٍ وَلَا لِجَنَابَةٍ وَلَا نَجَاسَةٍ وَلَا صَيْدٍ وَلَا لَهْوٍ وَلَا لَعِبٍ وَلَا لِخِدْمَةِ أُسْتَاذٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.
وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَخَّرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لِاشْتِغَالِهِ بِجِهَادِ الْكفَّارِ، ثُمَّ صَلَّاهَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَانْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: ٢٣٨].
وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ.
فَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ ذَلِكَ التَّأخِيرَ مَنْسُوخ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَلَمْ يُجَوِّزُوا تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ حَالَ الْقِتَالِ؛ بَل أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ حَالَ الْقِتَالِ.
وَلَكنْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ بمزدلفة بِاتفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن الْعُلَمَاءِ لِلسَّفَرِ وَالْمَرَضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأَعْذَارِ.