← المكتبة ▭▭ صفحتان
تقريب فتاوى ابن تيمية
أحمد بن ناصر الطيار الفتاوى 728 هـ
A− A+
2213 · ص225 · ج5
فَآيَة الْمَائِدَةِ خَاصَّةٌ وَهِيَ مُتَأَخِّرَة نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالْمُمْتَحِنَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: "الْمَائِدَةُ مِن آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا"، وَالْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ الْمُتَقَدّمِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ: إنَّه مُفَسِّرٌ لَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ صُورَةَ التَّخْصِيصِ لَمْ تَرِدْ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إذَا فَرَضْنَا النَّصَّيْنِ خَاصَّيْنِ، فَأَحَدُ النَّصَّيْنِ حَرَّمَ ذَبَائِحَهُم وَنِكَاحَهُمْ، وَالْآخَرُ أَحَلَّهُمَا: فَالنَّصُّ الْمُحَلِّلُ لَهُمَا هُنَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ هِيَ الْمُتَأَخِّرَةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَتَكُونُ نَاسِخَة لِلنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ. الْوَجْهُ الثانِي: أَنَّهُ قَد ثَبَتَ حِلُّ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْكَلَامُ فِي نِسَائِهِمْ كَالْكَلَامِ فِي ذَبَائِحِهِمْ، فَإِذَا ثَبَتَ حِلُّ أَحَدِهِمَا ثَبَتَ حِل الْآخَرِ، وَحِلُّ أَطعِمَتِهِمْ لَيْسَ لَهُ مُعَارِضٌ أَصْلًا. وَيدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ. [٣٥/ ٢١٢ - ٢١٦] ٤٩٣٥ - الْقَوْلُ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ هُم مَن كَانَ دَخَلَ جَدُّهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. بَل الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ كِتَابِيًّا أو غَيْرَ كِتَابِيٍّ: هُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَا بِنسبةٍ، وَكُل مَن تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ أَو جَدُّهُ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ أَو لَمْ يَدْخُلْ. وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُوُلهُ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَو بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَن أَحْمَد، وَإِن كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الثَّابِت عَن الصَّحَابَةِ -رضي الله عنهم-، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا.