← المكتبة ▭ صفحة واحدة
تقريب فتاوى ابن تيمية
أحمد بن ناصر الطيار الفتاوى 728 هـ
A− A+
595 · ص48 · ج2
كما أنه قد يقترن بالسيئة من الاستخفاف والإصرار ما يعظمها، فلهذا وجب التوقف في المعين، فلا يقطع بجنة ولا نار إِلَّا ببياني من اللّه، لكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء. وليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المنزلة؛ لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحًا على هذه السيئات. ومن أجل ذلك صار المُدُّ من الصحابة - رضي الله عنهم - أفضل من مثل جبل أحد ذهبًا من غيرهم. ومن ذلك حديث البغيّ التي سقت كلبًا فغفر لها؛ فلا يقال في كل بغي سقت كلبًا غفر لها؛ لأن هذه البغي قد حصل لها من الصدق والإخلاص والرحمة بخلق الله ما عادل إثم البغي وزاد عليه ما أوجب المغفرة، والمغفرة تحصل بما يحصل في القلب من الإيمان الذي يعلم الله وحده مقداره وصفته. وهذا يفتح باب العمل، ويجتهد به العبد أن يأتي بهذه الأعمال وأمثالها من موجبات الرحمة وعزائم المغفرة، ويكون مع ذلك بين الخوف والرجاء، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)} [المؤمنون: ٦٠]. [المستدرك ١/ ٢٢١ - ٢٢٥، ١/ ٧٩] ١٠٨٠ - الدَّلَائِلُ عَلَى أَنَّ الْمَصَائِبَ كَفَّارَاتٌ كَثِيرَةٌ، إذَا صَبَرَ عَلَيْهَا أُثِيبَ عَلَى صَبْرِهِ؛ فَالثَّوَابُ وَالْجَزَاءُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْعَمَلِ - وَهُوَ الصَّبْرُ -، وَأَمَّا نَفْسُ الْمُصِيبَةِ فَهِيَ مِن فِعْلِ اللهِ، لَا مِن فِعْلِ الْعَبْدِ، وَهِيَ مِن جَزَاءِ اللّهِ لِلْعَبْدِ عَلَى ذَنْبِهِ وَتَكْفِيرِهِ ذَنْبَهُ بِهَا. وَفِي الْمُسْنَدِ أَنَّهُم دَخَلُوا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَذَكَرُوا أَنَّهُ يُؤجَرُ عَلَى مَرَضِهِ فَقَالَ: "مَا لِي مِن الْأَجْرِ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ، وَلَكِنَّ الْمَصَائِبَ حِطَّةٌ".
596 · ص49 · ج2
فَبَيَّنَ لَهُم أَبُو عُبَيْدَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ نَفْسَ الْمَرَضِ لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ؛ بَل يُكَفَّرُ بِهِ عَن خَطَايَاهُ. وَكَثِيرًا مَا يُفْهَمُ مِن الْأجْرِ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ، فَيَكُونُ فِيهِ أَجْرٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. [٣٠/ ٣٦٣ - ٣٦٤] * * * (التوبة العامة، والتوبة المجملة) ١٠٨١ - من تاب توبة عامّة كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها؛ إِلَّا أن يعارض هذا العام معارض يوجب التخصيص؛ مثل أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته إياه، أو لاعتقاده أنه حسن، وتصح من بعض ذنوبه في الأصح. [المستدرك ١/ ١٤٥] * * * (التوبة النصوح) ١٠٨٢ - التائب إذا كانت نيته خالصة محضة لم يشبها قصد آخر فإنه لا يعود إلى الذنب؛ فإنه إنما يعود لبقايا غش كانت في نفسه. والاستقراء يدل على أنه إذا دخلت الإيمان إلى القلب لم يرجع عنه؛ ولكن قد يحصل له اضطراب، ويُلقي الشيطان في قلبه وساوس وخطرات ويوجِدُ فيه همًّا، وأمثال ذلك، كما شكى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: "أوقد وجدتموه"؟ فقالوا: نعم. فقال: "ذلك صريح الايمان" ١. وقال: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة" والحديث في مسلم ٢. فكراهة هذه الوساوس هي صريح الإيمان.
١ رواه مسلم (١٣٢)، وقد أثبت لفظه. ٢ لم أجده عند مسلم، وهو عند أبي داود (٥١١٢)، وأحمد (٢٠٩٧)، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.