207 · ص74 · ج3
كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدي المرأة، وهي سيدته، و تحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد، ولا إحساس بشر،، ومع ذلك {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} [يوسف: ٢٣]، وصار المحل خاليًا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، ودعته إلى نفسها {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} [يوسف: ٢٣]، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم، ومع ذلك كله حفظه الحفيظ في دينه، قال تَعَالَى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: ٢٤] ١.
وحينما يتكفل الحفيظ بحفظ شيء، فمن المحال أن يضيع أو يهلك، وكيف يهلك وقد تعهد الله بحفظه وتولاه برعايته، وهو خير الحافظين، قال تَعَالَى: {فَالله خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: ٦٤].
تكفَّل بحفظ كتابه العزيز من التحريف والتغيير والتبديل على مر العصور والدهور {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: ٩]، فبقى هذه القرون الطويلة محفوظًا بحفظ الحفيظ له -تبارك وتعالى-، بينما التوراة والإنجيل لما أوكل حفظها إلى الرَّبَّانيين والأحبار {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: ٤٤]؛ حصل التبديل والتغيير ٢.
وتكفل بحفظ بيته الحرام، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وكذلك الكعبة؛ فإنها بيت من حجارة بوادٍ غير ذي زرع، ليس عندها أحد يحفظها من عدو، ولا
١ ينظر: تفسير السعدي (ص: ٣٩٦).
٢ ينظر: النهج الأسمى، للنجدي (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥).