91 · ص35 · ج2
فهذا موقف يبين كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكظم غيظه، فأي كظم للغيظ هذا؟ بل أي حلم وعفو هذا الذي يلقى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاتل عمه الأثير وصديقه النصير، وشريكه في الجهاد، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قادرًا على أن يثأر لعمه، بل كان كثير من الصحابة الكرام ينتظر إشارة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقتل بها وحشيًّا؛ ليشفي غيظ نبيه، لكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عفى عنه ابتغاء وجه الله تَعَالَى، وفي هذا بيان لأمته أن تتعلم العفو والصفح الجميل.
عفوه -صلى الله عليه وسلم- العفو الشامل العام في فتح مكة، عندما وقف مخاطبًا أهل مكة قائلًا: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟ قالوا: خيرًا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: ٩٢] اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» ١.
نماذج من تخلق السلف الصالح بخلق العفو:
أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، كان يحسن إلى مسطح الذي مس ابنته عائشة -رضي الله عنها- في عرضها، عندها أوقف الصديق المعونة عنه، فجاء العتاب الإلهي، قال تَعَالَى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: ٢٢]، فكان الصديق يقرأ هذه الآية ويبكي، يقول: بلى، أحب أن يغفر الله لي، وعاد على مسطح بالمساعدة! ٢.
١ زاد المعاد، ابن القيم (٣/ ٣٥٩).
٢ سبق تخريجه.