← المكتبة ▭ صفحة واحدة
منحة العلام في شرح بلوغ المرام
عبد الله بن صالح الفوزان شروح الحديث
A− A+
1907 · ص93 · ج1
حال الحياة لمشقة التحرز منها - كما تقدم في الطهارة - وهذه العلة تنتفي بالموت، فتعود إلى أصلها، وهو النجاسة، فلا يطهر الدباغ جلدها. والقول بأن الأحاديث عامة، وأنه يدخل في ذلك جميع أنواع الجلود قول قوي، لكن أظهر الأقوال وأقربها للصواب أن ذلك فيما يؤكل لحمه، وأن الورع يقتضي ترك ما سوى ذلك، عملاً بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» ١، وقوله عليه الصلاة والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ٢. واعتبار الدباغ طهوراً لجلد الميتة من رحمة الله تعالى بعباده، لينتفع به من يحتاج إليه من الفقراء وغيرهم، فقد تعرض الحاجة للاستفادة من جلد الميتة، فاستثناه الشرع من عموم تحريمها المنصوص عليه في القران. ونأخذ من هذا أن الأحوط عدم لبس الفرا المصنوعة من جلود السباع، وهي موجودة في الأسواق بكثرة في هذا العصر، وإن كانت طاهرة على قول من يرى العموم، ويؤيد عدم لبسها حديث المقدام بن معديكرب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (نهى عن لبوس جلود السباع والركوب عليها) ٣. الوجه السادس: هذه الأحاديث الدالة على أن الدباغ يطهر جلد الميتة أصح من حديث عبد الله بن عُكيم قال: (أتانا كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) ٤، وهو دليل القائلين بأن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، وهو المذهب عند الحنابلة ٥، وهذا الحديث أعله العلماء بالاضطراب في سنده، فإن ابن أبي ليلى راويه عن عبد الله بن عكيم تارة
١ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩). ٢ أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧)، وإسناده صحيح. ٣ أخرجه أبو داود (٤١٣١)، والنسائي (٧/ ١٧٦) من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، وهو حديث صحيح، له طرق وشواهد يتقوى بها، وبقية صرح بالتحديث عند أحمد (٢٨/ ٤٢١ - ٤٢٢) لكنه في بقية الإسناد عنعنه. ٤ أخرجه أبو داود (٤١٢٨)، والترمذي (١٧٢٩)، والنسائي (٧/ ١٧٥)، وابن ماجه (٣٦١٣)، وأحمد (٣١/ ٧٤ - ٧٥). ٥ "الإنصاف" (١/ ٨٦).
1908 · ص93 · ج4
أن يخرج في غزوة ذات الرقاع، وهي سنة ست أو بع - كما تقدم - لكن هذا لا يؤثر، فإنه قد يرويها عن غيره، وتكون من مراسيل الصحابة رضي الله عنه. والأقرب هو الأول، لأنه لفظ الصحيحين، وهو الذي صوبه أبو زرعة وأبو حاتم ١؛ لكن تعيين كونها ذات الرقاع إنما هو في رواية صالح عن أبيه، وليس في رواية صالح عن سهل أنه صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا يؤيد ما تقدم من أن سهلًا كان وقت الغزوة صغيرًا. ويحتمل كما قال الحافظ أن صالح بن خوات سمعه من أبيه ومن سهل بن أبي حثمة، فلذلك يبهمه تارة، ويعينه أخرى. قوله: (يوم ذات الرقاع) أي: غزوة ذات الرقاع، سميت بذلك: لأن الصحابة رضي الله عنه رقت أقدامهم من الحفاء، فجعلوا يلفون عليها الخرق كالترقيع لها، هذا هو الصحيح في سبب التسمية، وهو الذي ورد في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ٢، وكانت سنة سبع بعد خيبر، على القول الراجح الذي جزم به البخاري في "صحيحه" ٣، وكانت لغزوة بني محارب وبني ثعلبة من غطفان في أعالي نجد. والمشهور عند أهل السير أنها بعد بني النضير، وقبل الخندق، سنة أربع، وقيل: في المحرم سنة خمس. والأظهر أنها بعد الخندق؛ لأن صلاة الخوف لم تكن شرعت في غزوة الخندق، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة عن وقتها، كما ثبت في " الصحيحين"، وقد ثبت فعلها في غزوة ذات الرقاع، فدل على تأخرها عن الخندق ٤.
١ "العلل" (٢٠٩)، (٣٥٢). ٢ "صحيح البخاري" (٤١٢٨)، "صحيح مسلم" (١٨١٦)، وانظر: "البداية والنهاية" (٤/ ٨٣). ٣ "فتح الباري" (٧/ ٤١٦). ٤ انظر: "زاد المعاد" (٣/ ٢٥٢)، "البداية والنهاية" (٤/ ٨٣).
→ السابق 1907–1908 / 5012 التالي ←