← المكتبة ▭▭ صفحتان
منحة العلام في شرح بلوغ المرام
عبد الله بن صالح الفوزان شروح الحديث
A− A+
3790 · ص342 · ج8
° الوجه الثاني: في الحديث دليل على أن عمارًا - رضي الله عنه - يقتل في حرب بين طائفتين من المسلمين، وقد دل التاريخ على أن الطائفة الأولى أهل العراق بقيادة علي - رضي الله عنه -، والثانية أهل الشام بقيادة معاوية - رضي الله عنه -، وأول ما نشأت الفتنة من قتل عثمان - رضي الله عنه - حيث امتنع معاوية من بيعة علي - رضي الله عنه - بحجة أن معه قتلة ابن عمه عثمان - رضي الله عنه -، وطلب منه تسليمهم للانتقام منهم، فمعاوية - رضي الله عنه - خرج بشبهة، وهي المطالبة بدم عثمان - رضي الله عنه -. فكاتبهم علي - رضي الله عنه - مبينًا أنه ينظر في الأمر؛ لأن القتلة ليسوا أفرادًا، بل هم جمع غفير، ولهم. قوة، فلا يمكن تسليمهم في الحال، فحصل الانقسام بين المسلمين، طائفة تُؤْثِرُ الخليفة الرابع عليًّا - رضي الله عنه -، والأخرى تُؤْثِرُ معاوية، وثالثة اعتزلت المعسكرين، وابتعدت عن الفتنة، فحصلت موقعة الجمل، ثم وقعة صفين، وفيها قتل عمار - رضي الله عنه -، قتله أهل الشام، وبأن بذلك وظهر سِرُّ ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن عليًّا محق، وأن معاوية باغٍ ١. وهذه من الفتن التي وقعت في القرن الأول المشهود له بالخيرية، وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تفترق أمتي فرقتين، فتمرق بينهما مارقة، فيقتلها أَولى الطائفتين بالحق" ٢، وهذا دليل على: ١ - أن ما حصل بين علي ومعاوية - رضي الله عنه - أنه عن اجتهاد وتأويل. ٢ - أن عليًّا أقرب إلى الصواب من معاوية، بل نكاد نجزم بصوابه، إلا أن معاوية كان مجتهدًا. ٣ - أن كلا الطائفتين على الحق، ولكن إحداهما أقرب إليه. يقول ابن كثير: (هذا الحديث من دلائل النبوة؛ لأنه قد وقع الأمر طبق ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما تزعمه فرقة الرافضة أهل الجهل والجور من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب عليٍّ أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا مذهب أهل
١ "البداية والنهاية" (١٠/ ٥٢٦). ٢ "المسند" (١٨/ ٢٧٤)، وإسناده صحيح.